الصالحي الشامي

267

سبل الهدى والرشاد

واضح لأن الفهم من كلام مثل الصلصلة أشكل من الفهم من كلام الرجل بالتخاطب المعهود ، والحكمة فيه أن العادة جرت بالمناسبة بين القائل والسامع ، وهي هنا إما باتصاف السامع بوصف القائل لغلبة الروحانية وهو النوع الأول ، وإما باتصاف القائل بوصف السامع وهو البشرية وهو النوع الثاني ، والأول أشد بلا شك . قال الإمام البلقيني : وسبب ذلك أن الكلام العظيم له مقدمات تؤذن بتعظيمه للاهتمام به ، كما في حديث ابن عباس : كان يعالج من التنزيل شدة . قال : وقال بعضهم : وإنما كان أشده عليه ليستجمع قلبه فيكون أوعى لما سمع . انتهى . الخامس : قيل إنه إنما كان ينزل هكذا إذا نزلت آية وعيد أو تهديد . قال الحافظ : وفيه نظر . والظاهر أنه لا يختص بالقرآن كما في حديث يعلى بن أمية في قصة لا بس الجبة المتضمخ بالطيب . وفائدة هذه الشدة ما يترتب على المشقة من زيادة الزلفى . السادس : عبر بقوله : ( فيفصم عني وقد وعيت ) بالماضي وفي : ( فيكلمني فأعي ) بالاستقبال . لأن الوعي حصل في الأول قبل الفصم ، وفي الثاني حصل حالة المكالمة وإنه كان في الأول قد تلبس بصفات الملائكة فإذا عاد إلى حالته الجبلية كان حافظا لما قيل له ، فعبر عنه بالماضي ، بخلاف الثاني فإنه على حالته المعهودة . السابع : قال إمام الحرمين ( 1 ) : تمثل جبريل رجلا معناه أن الله تعالى أفنى الزائد من خلقه أو أزاله عنه ثم يعيده إليه بعد . وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام ( 2 ) : فإن قيل إذا أتى جبريل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صورة دحية فأين تكون روحه : أفي الجسد الذي يشبه بجسد دحية ؟ أم في الجسد الذي خلق عليه له ستمائة جناح ؟ فإن كان في الجسد الأعظم فما الذي أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جبريل ، لا

--> ( 1 ) عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن محمد ، العلامة إمام الحرمين ، وضياء الدين ، أبو المعالي بن الشيخ أبي محمد الجويني مولده في المحرم سنة تسع عشرة وأربعمائة . وتوفي أبوه وله عشرون سنة ، فأقعد مكانه للتدريس فكان يدرس ويخرج إلى مدرسة البيهقي حتى حصل أصول الدين وأصول الفقه على أبي القاسم الأسفراييني الإسكاف . ومن تصانيفه ( النهاية ) جمعها بمكة وحررها بنيسابور و ( الأساليب في الخلاف ) و ( البرهان ) في أصول الفقه . الطبقات لابن قاضي شهبة 1 / 255 ، 256 ، وطبقات الشافعية للسبكي 3 / 249 ، ووفيات الأعيان 2 / 341 . ( 2 ) [ عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن ، الشيخ الإمام العلامة ، وحيد عصره ، سلطانه العلماء ، عز الدين ، أبو محمد ، السلمي ، الدمشقي ثم المصري ] ( 1 ) . ولد سنة سبع أو ثمان وسبعين وخمسمائة ، وتفقه على الشيخ فخر الدين بن عساكر ( 2 ) والقاضي جمال الدين بن الحرستاني ( 3 ) ، وقرأ الأصول على الآمدي ( 4 ) وبرع في المذهب ، وفاق فيه الأقران والأضراب ، وجمع بين فنون العلم من التفسير ، والحديث ، والفقه ، والأصول ، والعربية ، واختلاف الناس ومآخذهم ، حتى قيل : إنه بلغ رتبة الاجتهاد . قال الشيخ قطب الدين اليونيني : كان مع شدته فيه حسن محاضرة بالنوادر والأشعار . وقال الشريف عز الدين : حدث ، ودرس ، وأفتى ، وصنف ، وتولى الحكم بمصر مدة . [ انظر الطبقات لابن قاضي شهبة 2 / 109 ، 110 ، 111 ، وطبقات الشافعية للسبكي 5 / 80 ] .